كرسمس الصغيرة
كل دعاها كرسمس وكثيراً ما دعيت كرسمس الصغيرة العزيزة، لأن الكل أحبوا وجهها اللطيف الضارب لونه إلى الصفرة وعينيها الزرقاوين وشعرها الذهبي. وكانت تمتاز عن باقي بنات وصبيان قريتها التي بجانب البحر.
ولم تكن تجد صعوبة في دراستها، لكنها كانت ضعيفة البنية. فكانت تتعب حالاً من اللعب مع رفيقاتها وتجلس على البوابة أو تختلس الذهاب إلى البيت إلى أمها. وكان جميع من في البيت يُعزونها ويكرمونها ويقولون كرسمس ضعيفة ينبغي أن نعتني بها.
وفي أحد الأيام رجعت كرسمس من المدرسة إلى البيت وفيما هي تخلع حذاءها سمعت الكلمات التالية من فم امرأة: «حقاً يا مسز تشايمن كنت كأم لكرسمس كما ندعوها ولا أعلم إن كنت تعرفين اسمها الحقيقي أو تعلمين شيئاً عن أبيها وأمها».
فأجابتها: لا أعلم، لكن أنا وميخائيل نحبها كثيراً ويصعب علينا جداً أن نفارقها.
هذا كل ما سمعته كرسمس. وإذ تحققت أن لا أحد علم بوجودها هناك رجعت راكضة إلى مغارة صغيرة قريبة وجلست على صخر فيها وأخذت تبكي قائلة: «الآن علمت لماذا لا يكون لي عيد ميلاد كما يكون لباقي الأولاد، ولماذا ليس لي غير اسم واحد. لم يخطر هذا ببالي قبلما عيَّرتني به ماري باركر يوم الأربعاء. يا ويلي يا ويلي! يظهر أنني منقطعة وحيدة».
هذا كله قالته كرسمس ولم تعلم أنها قالته بصوت عال ولهذا أجفلت حين سمعت بجانبها صوت قسيس القرية يخاطبها بكل لطف: «لا يا عزيزتي كرسمس. لست وحيدة منقطعة كما تقولين». فقالت له: قد علمت لماذا ليس لي عيد ميلاد ولا أحد يعلم كم عمري. إني تعيسة جداً.
فقال القسيس في نفسه: «يا مسكينة! هذا ما كنت أخافه عليها» ثم خاطبها: اصغ إليّ يا كرسمس فأقص عليك هذه القصة. كان في ذلك الكوخ رجل صياد اسمه ميخائيل تشايمن وعنده ولدان صبي وبنت. ثم رزق بنتاً ثانية لكنها مرضت بعد ولادتها ببضعة أسابيع وماتت وكان ذلك في مساء عيد الميلاد. وفي صباح ذلك العيد نزل ميخائيل إلى الشاطئ وإذا بكلب كبير أسود أخذ ينبح ويشد ثوبه راكضاً أمامه فأدرك ميخائيل أن الكلب يطلب منه أن يتبعه. فتبعه على الشاطئ والكلب راكض قدامه ثم وقف بغتة وإذا بطفلة مطروحة. فأخذها الصياد في ذراعيه والماء يقطر من شعرها وثيابها وظنها ميتة. لكنه إذ جس نبضها رأى فيها بقية من الحياة. فلفها في ثوبه وأسرع بها إلى بيته ودفعها إلى زوجته قائلاً لها «ها قد أرسل لك الله يا ماري بنتاً أخرى لتحبيها وتربيها». فأخذتها زوجته واعتنت بها وما لبثت أن فتحت عينيها الزرقاوين وبسمت في وجه الصياد وزوجته، ومن ذلك الحين صارت لهما كواحد من أولادهما في المحبة والإعزاز. ثم قال الصياد ذات يوم لزوجته (ينبغي أن نسمي هذه البنت) فقالت امرأته «خطر هذا ببالي وأريد أن يكون اسمها...».
ثم قال القسيس سائلاً كرسمس: ماذا تظنين أرادت امرأة الصياد أن يكون اسم تلك البنت؟ فأجابته (كرسمس؟) فقال: نعم هكذا قالت زوجة الصياد ندعوها كرسمس ومعناه عيد الميلاد، لأنها جاءتنا يوم عيد الميلاد وبهذا الاسم ندعوها. فنهضت كرسمس وقالت بكل هدوء: أشكرك يا سيدي ما عدت الآن أشعر بأني هكذا شقية. فقال لها القسيس ماداً يده إليها: تعالي نرجع إلى الكوخ وأنا أخبر مسز تشايمن إني أطلعتك على هذه القصة.
وفي طريقهما أخبرها أنه بحث كثيراً عن أمر والديها وفي ظنه أنها كانت على أحد المراكب التي انكسرت حين أخذها الصياد عن الشاطئ. ثم قال لها إن كل قطعة من الثياب التي كانت عليها يوم وجودها وهما (ك.أ). وأن هذه الثياب باقية عند زوجة الصياد. ثم خاطبها: لعل الله يوماً ما يسمعك خبراً عن والديك أو يردهما إليك. فكوني إلى ذلك الحين سعيدة بيننا لأن أباك السماوي يعتني بك. وقبلما تدخلين أريد منك أن تقولي هذا العدد ثلاث مرات وأنا أفتحه لك في توراتك وأضع تاريخ اليوم بجانبه «أَبِي وَأُمِّي قَدْ تَرَكَانِي وَٱلرَّبُّ يَضُمُّنِي» (مزمور 27: 10).
ثم انقضت الأسابيع والشهور وظهر لكرسمس أن جميع الذين هي بينهم قد ضاعفوا محبتهم لها بعدما علموا أنها سمعت بقصتها. ومال قلبها لزيادة الافتكار بأبيها السماوي فأخذت تطالع كلمته، ومنها علمت أن قلبها خاطئ وفي حاجة إلى الاغتسال بدم المخلص. فأتت إليه ببساطة لتنال منه صفحاً وغفراناً.
ثم تقوَّت في جسدها وصارت قادرة على مشاركة رفيقاتها في اللعب والمشي. ورتب القسيس لها أن تبقى في المدرسة كمعلمة ابتدائية.
وفي أحد الأيام رجعت إلى البيت بعد انصراف الأولاد فوجدت هناك سيدة لابسة ثياب أرملة وهي صفراء اللون ناحلة الجسم فقالت مسز تشايمن: يا كرسمس هذه السيدة قد جاءت من لندن وتريد أن ترى ابنتنا الصغيرة التي قذفها البحر إلينا.
وقد لاحظت كرسمس ارتعاشاً شديداً في صوت مربيتها وهمَّت أن تسأل عن سبب ذلك، وإذا بتلك السيدة قد نهضت مسرعة وألقت ذراعيها حو ل كرسمس قائلة: ابنتي، ابنتي! هي ابنتي كونستانس! إن لها نفس فم أبيها وعينيه.
ثم أخبرت مسز إلدردج بيت تشايمن بأن السفينة انكسرت بها وبزوجها في طريقهما من الهند وأن زوجها غرق. وأما هي فقد انتشلها مركب برتغالي وأُخذت إلى لشبونة حيث مرضت وأشرفت على الموت، ولما شُفيت رجعت إلى بلاد الإنكليز وسمعت بغرق زوجها وابنتها فتمردت في أول الأمر على الله وقست أفكارها من جهته تعالى. لكن محبته غيرت قلبها وهي الآن فرحة لخلاصه. وبينما كانت ذات يوم في مستشفى تزور المرضى حسب عادتها جلست بجانب مريض وهو صياد من كورنوال (حيث ابنتها الآن) فسألها أن تقرأ له كتاباً جاءه من أمه وقد كتبته لها كرسمس. ثم أخبرها الصياد بأن هذه الكاتبة قذفها البحر منذ نحو ثلاث عشرة سنة. ولما سمعت هذا منه جاءت إلى كورنوال. ثم قالت: إن زوجي أعطى قلبه لله قبل موته بسنة. والآن قادني الله أنا وبنتي إليه تعالى.
وكانت مسز إلدردج غنية لكنها رأت أنها غير قادرة أن توفي عائلة تشايمن ما عليها لقاء عنايتهم بابنتها. ثم رجعت بابنتها إلى لندن، ولكن في كل صيف كانتا تقضيان نحو ثلاثة أشهر في تلك القرية الصغيرة. وكانت الهدايا لا تنقطع من لندن عن جميع أصدقاء كرسمس. وكانت أمها في كل صيف تعقد اجتماعات لنساء القرية تقرأ فيها الكتاب المقدس وتساعد الجميع بكل ما تقدر عليه، وهكذا فعلت كرسمس. وعند موت أمها أقامت بالقرب من تلك القرية عاملة في حقل الرب.
وقد عاشت أربعاً وستين سنة، وظلت إلى النهاية تزور أهل القرية مباركة ومباركة حيثما ذهبت.
أفلا نقول كما قال أحد الصيادين يوم موتها:
نعم كان للرب قصد عظيم في قذف كرسمس إلى شاطئنا، وكثيراً ما نظنه يخطئ في عمله وذلك لعمى قلوبنا. ولكن أرى أن له أشياء كثيرة يعلنها لنا في السماء كما أعلن لنا قصد رحمته المبارك في إرسال كرسمس إلينا لتعلمنا وتساعدنا في طريقنا إلى السماء.
| | |
| الفصل السادس: دوامة نهر آفون
| |
| | |
_________________